ابن ميثم البحراني

54

شرح نهج البلاغة

الثامن والثلاثون : أمره أن يلزم نفسه ويحملها في حقّ صديقه الحقّ على أن يقابله ويجازيه برذائله فضائل كالقطيعة بالصلة ، وساير ما ذكر ليعود إلى العتبى وتدوم المودّة ، وحذّره أن يضع ذلك في غير موضعه أو يفعله بغير أهله من اللئام لأنّ ذلك وضع الشيء في غير موضعه وهو خروج عن العقل ، وقد علمت أنّ الأمور المذكورة من لوازم الصداقة الحقّة . وإلى نحوه أشار الشاعر بقوله : وإنّ الَّذي بيني وبين بني أبي * وبين بنى أُمّي لمختلف جدّا فإن أكلوا لحمي وفرت لحومهم * وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا وإن زجروا طيرا بنحس تمرّ بي * زجرت لهم طيرا يمرّ بهم سعدا ولا أحمل الحقد القديم عليهم * وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا التاسع والثلاثون : نهاه أن يتّخذ عدوّ صديقه صديقا ، ونبّه على قبح ذلك بضمير استثنائي تقديره : فإنّك إن فعلت ذلك عاديت صديقك ، ويستدلّ فيه بقبح اللازم على قبح ملزومه : أي لكن معاداة الصديق قبيحة منهىّ عنها فاتّخاذ عدوّه صديقا كذلك ، ووجه الملازمة أنّ مصادقة عدوّ الصديق يستلزم نفرة الصديق عمّن يصادق عدوّه لنفرته عن عدوّه وتوهّمه مشاركة العدوّ وموافقته في جميع أحواله ومن جملة أحواله عداوته فهي إذن توهمه الموافقة على عداوته فيوجب له النفرة والمجانبة ، وإليه أشار بذكر القائل : تودّ عدوّي ثمّ تزعم أنّني * صديقك إنّ الرأي عنك لعازب الأربعون : أن يخلَّص نصيحته لأخيه في جميع أحواله سواء كانت النصيحة حسنة أو قبيحة : أي مستقبحة في نظر المنصوح ضارّة له في العاجل باعتبار استحيائه وانفعاله من المواجهة بها . ونحوه قوله تعالى « وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ » ( 1 ) فعدّها بالنسبة إليهم سيّئة . الحادي والأربعون : أمره بفضيلة كظم الغيظ ، وقد رسمت بأنّها الإمساك

--> ( 1 ) 30 - 35 .